لماذا اعتبر ابن خلدون الفلسفة خطراً على العقيدة والمجتمع؟
هل يمكن للعقل البشري بأدواته المنطقية المجردة أن يُحيط بالوجود المطلق، أم أن طموحه المفرط يتحول إلى تهديد لاستقرار البنية الاجتماعية والعقائدية؟ تنبثق هذه الإشكالية المعرفية بجلاء في المقاربة التي تبناها عبد الرحمن بن خلدون تجاه الفلسفة؛ إذ لم يكتفِ بنقدها منهجياً، بل وضعها في خانة المهدّدات الصريحة للعمران البشري والمنظومة الدينية. تتأسس رؤية ابن خلدون في إبطال الفلسفة على تفكيك العلاقة التبادلية بين تطور المجتمع ونشأة المعرفة. فهو يرى أن الفلسفة، ولا سيما في صورتها الموروثة عن اليونان والمتمددة في السياق الإسلامي، تدّعي قدرةً استثنائية على بلوغ المعرفة المطلقة واليقينية استناداً إلى "عقلاء النوع الإنساني"، ارتكازاً على قانون التمييز بين الخطأ والصواب عبر الاستدلال المنطقي. غير أن ابن خلدون يضع لهذا الطموح حدّاً صارماً، مقرراً أن الفلسفة باختزالها الوجود في مراتب محدودة (من العقل الأول إلى التاسع) تقع في قصور معرفي فادح؛ لأنها تحاول إخضاع عالم يتسم بالصيرورة والخلق الدائمين، ولامتناهٍ بطبيعته، لأدوات إدراكية ضيقة عاجزة عن احتوائه. ولفهم أعمق لهذا الموقف، لا بد من تشريح مفه...