وحدة الحقيقة عند ابن رشد
من أعظم المظالم الإبستمولوجية التي تعرض لها ابن رشد تاريخياً هي إلصاق تهمة "الحقيقة المزدوجة" بمنهجه الفكري؛ وهي مقولة راجت في الأوساط الأكاديمية اللاتينية بأوروبا في العصور الوسطى (الرشدية اللاتينية)، وتفترض أن ابن رشد كان يؤمن بوجود حقيقة دينية تتناقض مع حقيقة فلسفية، وأن كليهما صحيح في مجاله المستقل. يقوم المنهج الرشدي الفعلي بنفي هذه الأسطورة نفياً قاطعاً، مؤسساً بنيانه على نظرية "وحدة الحقيقة" القائمة على تنوع مدارك الإقناع الإنساني. نشأت خرافة "الحقيقة المزدوجة" حين اصطدمت شروح ابن رشد لفيزياء أرسطو بعقائد الكنيسة الكاثوليكية. وللهروب من مقصلة التفتيش، ادعى بعض المفكرين الأوروبيين (الرشديون اللاتين) أنهم يعتقدون بالفلسفة كحقيقة عقلية، وبالدين كحقيقة إيمانية، حتى وإن تناقضا. انسحب هذا التلفيق ظلماً على ابن رشد. يفكك التحليل المنهجي هذا الادعاء، مبرزاً أن المنظومة الرشدية لا تحتمل وجود حقيقتين متناقضتين تتصارعان في فضاء الوجود؛ فالله واحد، وصنعته (الكون) منضبطة بقوانين واحدة، ومعرفتهما تؤول إلى مصب نهائي مشترك. بدلاً من شطر الحقيقة، يقدم ابن رشد نظري...