المشاركات

فلسفة العزلة عند أبي العلاء المعري

صورة
  "رهين المحبسين".. هكذا اختار أن يُعرف، محبوساً في عمى عينيه، ومحبوساً بإرادته الحرة في جدران بيته. كيف يمكن لإنسان أن يقرر بوعي كامل إغلاق بابه في وجه العالم أجمع، واختيار العزلة المطلقة كطريق وحيد للنجاة؟ هذا التساؤل يقودنا إلى واحدة من أكثر المواقف الوجودية تطرفاً في تاريخ الفكر. إن الإنسان، كما تشير نظريات علم الاجتماع، هو كائن يحتاج منذ طفولته إلى تلبية حاجاته الأساسية عبر الاندماج الاجتماعي والتفاعل المستمر بين الفرد والمحيط. إلا أن أبا العلاء المعري كسر هذه القاعدة الجوهرية. فقد أدرك، بعد تجارب مريرة، أن الاندماج في مجتمعه ليس سوى فخ يقود إلى الفساد. فرأى نفسه غير ملزم بمكافأة الناس على ما علموه إياه، بل اعتبر أن العقل والوعي هما الوسيلة الوحيدة لمحاربة قهر وظلم الناس. لم تولد هذه العزلة الكلية من فراغ، بل كانت نتيجة حتمية لفقدان الثقة المطلق في الطبيعة البشرية. لقد وصل المعري إلى درجة من التطرف في الحكم على مجتمعه، حيث أساء الظن بالجميع، ومال إلى العزلة بعد أن كثر التطير والشك في نوايا البشر. وصل به اليأس الاجتماعي إلى قناعة تامة بعدم وجود "الصديق" الحقيقي،...

نظرية العقل السامي والعقل الآري عند إرنست رينان

صورة
  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع صعود المركزية الأوروبية، تبلور تيار فكري خطير استخدم الدراسات اللغوية والتاريخية (الفيلولوجيا) لتمرير أيديولوجيا عرقية مقنعة بالعلم. في قلب هذا التيار يقف الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان، الذي صاغ نظرية تصنيفية حادة تقسم العقل البشري إلى صنفين متضادين: "العقل الآري" (الهندو-أوروبي) و"العقل السامي" (الذي يشمل العرب واليهود)، وهي نظرية تركت ندوباً غائرة في طريقة قراءة الغرب للتراث الشرقي. تقوم أطروحة رينان على فكرة الحتمية اللغوية والجغرافية، حيث يرى أن اللغات ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي قوالب تحدد سقف التفكير. وفقاً لهذه النظرية، فإن "العقل السامي" هو عقل بدائي، بسيط، ومبتور. يعتقد رينان أن بيئة الصحراء القاحلة واللغات السامية الجافة خلقت عقلاً غير قادر على التجريد الفلسفي، أو تركيب الأساطير المعقدة، أو استيعاب التعددية. الإنجاز الوحيد لهذا العقل، في نظر رينان، هو "التوحيد الصارم"؛ وهو توحيد لم يأتِ نتيجة تأمل فلسفي عميق، بل كاستجابة لبيئة فارغة من التنوع، مما جعل العقل السامي عقيماً وعاجزاً عن إنتا...

المعري ودانت: بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية

صورة
  تخيل   رجلين   يفصل   بينهما   قرنان   من   الزمان،   وجغرافيا   شاسعة،   ولغات   وثقافات   متباينة،   ومع   ذلك يمسكان   بالريشة   ذاتها   ليرسما   خريطة   هندسية   ونفسية   متطابقة   تماماً   للعالم   الآخر .  هذا   هو   اللغز الفكري   الذي   يجمع   بين   الفيلسوف   والشاعر   العربي   أبي   العلاء   المعري   في   "رسالة   الغفران"،   والشاعر الإيطالي   دانت   أليغييري   في   ملحمته   "الكوميديا   الإلهية" .  تطرح   المقارنة   بين   هذين   العملين   الخالدين   تقاطعات   مذهلة   لا   يمكن   تجاوزها   بوصفها   مجرد   صدفة أدبية .  إن   العمارة   السماوية   في   كلا   النصين   تعتمد   على   تخطيط   هندسي   دقيق   ومتشابه   إلى ...

نقد العقل الإسلامي عند أركون

صورة
تخيل قلعة فكرية ضخمة، شُيدت أسوارها على مدار قرون طويلة، حتى نسي ساكنوها أن هناك عالماً شاسعاً يمتد خارجها. هذه القلعة هي ما يطلق عليه "العقل الأرثوذكسي"، الذي أحاط نفسه بسياج منيع من اليقينيات المطلقة، مغلقاً الأبواب أمام أي تساؤل نقدي. من هنا، يبرز التساؤل المُلِح: كيف يمكن إعادة قراءة التراث الديني وتفكيك هذه الأسوار دون هدم الروحانية الأصيلة؟ تتجسد الإجابة في المشروع المعرفي الضخم الذي صاغه الفيلسوف محمد أركون، والذي يهدف إلى إخضاع العقل الإسلامي لمبضع النقد الإبستمولوجي والأنثروبولوجي الحديث. تمتد الجذور الفكرية لمشروع "الإسلاميات التطبيقية" عند محمد أركون إلى ثورة العلوم الإنسانية في الغرب، وتحديداً من تقاطعات الأنثروبولوجيا البنيوية، واللسانيات، والتاريخيات الجديدة (مدرسة الحوليات). ظهر هذا المصطلح كضرورة منهجية لتجاوز قصورين أساسيين: الأول هو "الاستشراق الكلاسيكي" الذي تعامل مع الإسلام كنص جامد ومفارق للتاريخ، والثاني هو "القراءة الأرثوذكسية (التقليدية)" التي تقدس التراث وترفض إخضاعه للمساءلة النقدية. وتمثل الإسلاميات التطبيقية مشروعاً بح...

عملاقان في لقاء.. عابر نجيب محفوظ والبردوني وحوارهما الأدبي

صورة
وبمجرد أن أجلسوا البردوني بجوار نجيب محفوظ (في القصر الجمهوري) سأله البردوني: ماذا بعد رواية (اللص والكلاب)؟.. ما أكثر الكتّاب المصريين الذين أكدوا أنك قد قلت كل شيء في الثلاثية، ماذا يقولون الآن وقد طلعت لهم بمنحى جديد في (اللص والكلاب؟). رد محفوظ: وهل استغربت؟ رد البردوني: لا... بعد قراءة روايتك الفذة (زقاق المدق) عرفت بوابة مضيئة تفضي إلى غرف وحدائق، وكانت الثلاثية ذلك القصر العامر.. ولمحت في الثلاثية أول طريق مختلف تبدأ أول معالمه من وفاة (أمينة) في آخر صفحات (السكرية). ثم سأله البردوني: ليس على الروائي خلق أبطاله، بل عليه اختيار أرقى النماذج، لماذا كل أبطال (زقاق المدق) وبطلاتها والثلاثية متهافتون دون أيه لمحة تماسك؟ هل كل القاهريات (زبيدة) و(زنوبة) و(أم مريم)؟ وهل كل رجالها (أحمد عبدالجواد) و(إبراهيم الفار) و(سيد علي السيد)؟ كذلك رد محفوظ: لو سألتك على المغزى؟ قال البردوني: أظنك أردت تعرية الطبقة البرجوازية الكبرى. قال محفوظ: نعم.. أليس هذا سبباً كافياً. قال البردوني: كان أقله يفي، كما فعلت في رواية (القاهرة الجديدة). قال محفوظ: يا خبر.. ورايا ورايا؟ قال البردوني: وأرجو أ...

التاريخي والروائي.. في «ثلاثية غرناطة» لـ رضوى عاشور

صورة
مثل هذه الأطروحة التي نوقشت أخيراً بقسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، تطمئننا إلى أن البحث العلمي في مجال الدراسات الإنسانية في الجامعات المصرية لايزال بخير. وفي تقديري أن هذا المستوى الرفيع الذي بدت عليه هذه الأطروحة يرجع في المقام الأول إلى صدق رغبة الباحثة في تقديم دراسة، يمكن أن يشار إليها بالبنان في الساحتين الأكاديمية والثقافية، وحرصها على الاستفادة من خبرة مشرف في حجم الناقد الدكتور حسين حمودة، الأستاذ بجامعة القاهرة، ورئيس تحرير مجلة (فصول) للنقد الأدبي.

محمد جبريل: الصدق الفني معيار المبدع

صورة
الصدق الفني معيار المبدع محمد جبريل: أستاذي نجيب محفوظ   ولد الروائي محمد جبريل بالإسكندرية في عام (1938م)؛ عمل محرراً صحافياً بجريدة «الجمهورية»، ثم في جريدة «المساء»، كما عمل رئيساً لتحرير جريدة «الوطن» العمانية لمدة تسع سنوات، درست أعماله في جامعات عريقة كالسوربون، ورشح كثيراً لنيل جائزة نوبل في الآداب؛ حصل أخيراً على جائزة الدولة التقديرية .  

أحمد سويلم: الحلم يبدأ من ثقافة الطفل

صورة
ينهل من تراث عربي أصيل أحمد سويلم: الحلم يبدأ من ثقافة الطفل  الشاعر أحمد سويلم المولود، بمدينة (بيلا) محافظة «كفر الشيخ» في (8 ديسمبر 1942م)، شاعر غزير الإنتاج له العديد من الدواوين الشعرية، من بينها: (الطريق والقلب الحائر، الهجرة من الجهات الأربع، الخروج إلى النهر، العطش الأكبر، الشوق في مدائن العشق، قراءة في كتاب الليل، الزمن العصيّ، ولزوميات)، وله من المؤلّفات في المسرح الشعري: (أخناتون، شهريار، الفارس) .  

محمود الرحبي: الرواية هي الوعاء السحري الذي يمكنه استيعاب كل شيء

صورة
في كتاباته القصصية إشارات للمكان محمود الرحبي: الرواية هي الوعاء السحري الذي يمكنه استيعاب كل شيء  يعتبر محمود الرحبي من كبار كتاب القصة والرواية في عُمان والوطن العربي، ولد عام (1969م)، وانتقل إلى المغرب لإكمال دراسته الجامعية، فحصل على البكالوريوس والماجستير في الأدب العربي من جامعة محمد الخامس، وُيعِد حالياً رسالة الدكتوراه بالجامعة ذاتها. صدرت له عدة مجموعات قصصية منها: (اللون البني 1998م)، (لماذا لا تمزح معي 2008م)، (أرجوحة فوق زمنين 2011م)، و(حديقة السهو 2018م)، وفي الرواية له: (خريطة العالم 2010م)، (فراشات الروحاني 2013م)، و(أوراق الغريب 2017م). نال عدة جوائز منها: جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب بدورتها الأولى (2012م) .    

عائشة التيمورية.. لقبت بخنساء العصر الحديث

صورة
من رائدات الأدب النسوي عائشة التيمورية.. لقبت بخنساء العصر الحديث تُعد عائشة تيمور (عائشة التيمورية 1840 - 1902م) سليلة عائلة (تيمور) الشهيرة، من الرائدات المصريات والعرب الأوليات اللاتي حملن على عاتقهن مشاعل التنوير والحداثة في القرن التاسع عشر. كانت مُمسكة بصولجان حياتها الأدبية منذ نعومة أظفارها، ولُقبت بشاعرة الطليعة، اقتحمت عالم الإبداع والفكر وسبقت وسابقت الكثير في عصرها .