المعري ودانت: بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية

 



تخيل رجلين يفصل بينهما قرنان من الزمان، وجغرافيا شاسعة، ولغات وثقافات متباينة، ومع ذلكيمسكان بالريشة ذاتها ليرسما خريطة هندسية ونفسية متطابقة تماماً للعالم الآخرهذا هو اللغزالفكري الذي يجمع بين الفيلسوف والشاعر العربي أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، والشاعرالإيطالي دانت أليغييري في ملحمته "الكوميديا الإلهية"


تطرح المقارنة بين هذين العملين الخالدين تقاطعات مذهلة لا يمكن تجاوزها بوصفها مجرد صدفةأدبيةإن العمارة السماوية في كلا النصين تعتمد على تخطيط هندسي دقيق ومتشابه إلى حد التطابق؛فالجحيم عند كليهما يتم تصويره على شاكلة خزان سحيق يتألف من أطباق وأدراج دائرية، ينقسم كلطبق منها إلى أطباق أخرى تنحدر بصاحبها إلى قاع الجحيمهذا الوعي المكاني للعذاب يتجاوز التخيلالبسيط إلى بناء هيكلي معقد.


ولا يقف التقاطع عند حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى رمزية التطهير الروحيفلكي يخرج الإنسان منالجحيم ويصعد نحو الفردوس، يعتمد دانت على ثلاثة أنواع من الوضوء، وهو ذات الوضوء الروحي الذيتعرفه الحكاية الإسلامية وقصة المعراج من أجل التعريج إلى الجنةوفي رحلة الصعود هذه، يبرز"السلم الذهبي" الممتد في السماء في الكوميديا الإلهية، والذي يتقاطع جوهرياً مع مفهوم "المعراج"الذي يعرضه جبريل للعروج إلى السماوات في النص العربي


كما يوظف كلا المفكرين شخصيات رمزية متطابقة في وظيفتها؛ ففي كلا النصين تظهر امرأة تعترضطريق المسافر في العالم الآخر، وهي تجسيد صريح لرمزية الإغراء الدنيوي الذي يحاول إعاقة الخلاص،ناهيك عن وجود حراس يتواجدون على أبواب الجنة والنار يجب الاستئذان منهم للعبوروتنتهي كلتاالرحلتين عند ذروة التجلي؛ حيث سدرة المنتهى وحضرة النور الإلهي الشعشعاني.


على الرغم من هذا التطابق المذهل، تبرز في الأوساط الأكاديمية العربية رؤية معارضة تتزعمها الباحثةعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، والتي تنفي بشكل قاطع أي احتمالية لتأثر دانت بالمعريتستندهذه الرؤية إلى حجة تاريخية مفادها أن دانت لم يطلع مطلقاً على "رسالة الغفران"، وأن مصادرهاقتصرت على التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني، مثل "الإلياذة" و"الأوديسة" لهوميروس، معتبرة أنفكرة الرحلة إلى العالم الآخر هي ثيمة إنسانية عامة تواردت عليها الخواطر دون الحاجة لاقتباس مباشر.


في النهاية، يظل التقاطع بين المعري ودانت شهادة حية على وحدة المخيلة الإنسانية، وعلى أن الأسئلةالكبرى المتعلقة بالخطيئة، العقاب، الخلاص، والبحث عن النور الإلهي، هي أسئلة عابرة للحضارات،تتخذ في كل أمة قالباً سردياً يلامس أعمق ما في النفس البشرية.


سالم يفوت

تعليقات

اقرأ أيضا

محمود الرحبي: الرواية هي الوعاء السحري الذي يمكنه استيعاب كل شيء

أحمد سويلم: الحلم يبدأ من ثقافة الطفل

د.عبدالله الغذامي: رؤية 2030 تحررنا من زمن التمني والأقاويل

عملاقان في لقاء.. عابر نجيب محفوظ والبردوني وحوارهما الأدبي

التاريخي والروائي.. في «ثلاثية غرناطة» لـ رضوى عاشور

إبراهيم اليازجي أدرك أهمية اللغة العربية ودورها الثقافي

محمد جبريل: الصدق الفني معيار المبدع

عائشة التيمورية.. لقبت بخنساء العصر الحديث

إبراهيم طوقان ظاهرة مميزة في تطور الشعر العربي الحديث

عبده خال: خرجت من جلطة دماغية متجسداً لأفكار رواية أنفس